|
هَلْ يُهْزَمُ وَطَنٌ يَقْرَؤُهُ الشُّعَرَاءُ؟
قِرَاءَةٌ فِي جِرَاحِ لُبْنَانَ وَمَنَافِذِ النُّهُوضِ
بِقَلَمِ: رُلَى عَادِل العُرْيَان
✦ ✦ ✦
«إنَّ الشَّعبَ هو البطلُ، وهو المُعلِّم، وهو الصانعُ للمستقبل.. وإذاأردنا أن نُواجهَ غزواً أو تطبيعاً، فعلينا أن نبدأَ بتحريرِ الإنسانِ العربيِّ من جهلِهِ وتبعيَّته، لأنَّ الإنسانَ المُرتهَنَ لا يصنعُ حرِّية.»
— المُفَكِّرُ المُنَاضِلُ غَسَّان كَنَفَانِي
«أولادي، أمَّتي التي ماتت أمس، ستحيا غداً.. فإنَّ الأممَ لا تموتُ مادامَ في معابدِها مباخرُ، وفي أوديتِها مغاورُ، وفي قلوبِ أبنائِها عقيدةٌ لا تزول.»
— جُبْرَان خَلِيل جُبْرَان
✦ ✦ ✦
فِي البَدْءِ كَانَ الوَطَنُ
كَلِمَةُ بَقَاءٍ…
كَيْفَ نُعِيدُ بِنَاءَ الوَطَنِ؟
في البدءِ كان لبنانُ الحضارة. كنَّا "معلِّمو معلِّمي العالم"
، وكانت بيروتُ عاصمةَ الفكرِ والحريةِ والكلمة. أنجبَ هذا الجبلُ الصغيرُ عقولاً أنارَتِ الآفاقَ، وأقلاماً رسمَتِ الوجدانَ العربيَّ على امتدادِ قرون. فكيف آلَ بنا المآلُ إلى مانحنُ عليه؟ وهل يمكنُ أن نستعيدَ ما فقدنا؟
هل يُبنى الوطنُ بالحجارة أم بالإنسان؟ وهل تنهضُ الأوطانُ بعد الحروب بالانتقامِ أم بالمراجعةِ الصادقة؟
وهل يمكنُ للبنان، هذا الوطنِ الذي أنهكَتهُ الحروب، وجرَّحَتهُ الطائفية، واستنزَفَهُ الفساد، وما زال يُطوَّقُ بعدوٍّ صهيونيٍّ لا يؤمنُ بحقِّهِ في الوجودِ الحرِّ والمستقل، أن يستعيدَ عافيتَهُ إذا بقيَ أبناؤهُ أسرى الانقسامِ والخوفِ والشكِّ المتبادل؟
إنَّ النظرةَ الموضوعيةَ لا تقفُ عند لومِ الجلَّادِ الخارجيِّ وحده، بل تُسائلُ الهشاشةَ الداخلية. فما كانَ للعدوِّ أن يمدَّ أصابعَهُ العابثةَ لولا التصدُّعُ فيجدارِ الوحدة. إنَّ السؤالَ الحقيقيَّ اليومَ ليس: مَن كانَ على حق؟ بل: كيفَ نبني مستقبلاً لا يكرِّرُ أخطاءَ الماضي؟
نحنُ لا نحتاجُ إلى "مقهى ترتادُهُ النُّخَب"، بل إلى صرخةٍ كصرخةِ محمدالماغوط تُعيدُ الاعتبارَ لرغيفِ الخبزِ المجدولِ بالكرامة، وإلى نَفَسٍ كنَفَسِ مُظَفَّر النَّوَّاب حين يصبُّ غضبَ الرُّعاعِ الأطهارِ على عروشِ الصَّمت. إنَّ النِّضالَ الثقافيَّ ليس صالوناً أنيقاً، بل هو حرثٌ في أرضِ المواطنةِ الحقيقيةِ لاستنباتِ جيلٍ يرفضُ الخنوع؛ جيلٍ يتعلَّمُ من كبرياءِ نزار قبَّاني حين مزجَ العشقَ بالثورة، ومن بصيرةِ إدوارد سعيد في تفكيكِ أقنعةِ الاستعمار.
✦ ✦ ✦
أَوَّلاً: الطَّائِفِيَّةُ وَالجَهْلُ... زَوَاجُ المَصَالِحِ الخَبِيثِ
أَتَسْتَحِقُّ العَنْجَهِيَّةُ خَسَارَةَ وَطَن؟
لعلَّ أعمقَ الجراحِ التي نَخَرَتْ جسدَ الدولةِ اللبنانيةِ هو ذلك النظامُ الطائفيُّ الذي تحوَّلَ من إطارٍ ثقافيٍّ للتعايشِ إلى أداةٍ للهيمنةِ والمحاصصةِ والصراع. إنَّ أخطرَ ما يُهدِّدُ لبنانَ هو ذلك الخللُ الناتجُ عن الجهلِ المُطبِق؛ الجهلُ بالآخرِ الشريك، والجهلُ بالتاريخ، والجهلُ بأنَّ الزعاماتِ الطائفيةَ تقتاتُ علىخوفِ الطوائفِ من بعضها. فالطائفيةُ حين تخرجُ من فضاءِ الهويةِ إلى ميدانِ السياسة، تُضعِفُ مؤسساتِ الدولة، وتُكرِّسُ ولاءاتٍ ضيِّقةً على حسابِ المصلحةِ الوطنية، وتُحوِّلُ المواطنَ إلى رهينةٍ في يدِ الزعيمِ الطائفي.
كما أشارَ إدوارد سعيد عندما فكَّكَ خطاباتِ الهيمنة، فإنَّ تقسيمَ المجتمعِ إلى هوياتٍ فرعيةٍ هو الأداةُ المُثلى لإبقاءِ الشعوبِ في طورِ التبعية. ومنمنظورِ الفيلسوفِ جان جاك روسو، فإنَّ الدولةَ لا تستقيمُ حين تتقدَّمُ المصالحُ الخاصةُ على "الإرادةِ العامة"؛ ذلك العقدُ الاجتماعيُّ الذي يقومُ أساساً علىشعورِ المواطنين بأنَّهم شركاءُ في المصير. وهذا بالضبطِ ما افتقدَهُ لبنان: ذلك الشعورُ بالمصيرِ المشتركِ الذي يجعلُ الاختلافَ مصدرَ ثراءٍ لا سبباً للخصومة.
هل نجرؤُ على مساءلةِ هذا الموروث؟ هل نجرؤُ على بناءِ نظامٍ مدنيٍّ يُسوِّي بين المواطنين أمامَ القانونِ بصرفِ النظرِ عن انتماءاتهم؟
غِيَابُ الأُفُقِ... بَيْنَ السَّرَابِ وَالهجْرَة
عندما يتسيَّدُ الجهلُ ويحكُمُ الانقسام، ينسدُّ أُفُقُ الرُّؤيةِ أمامَ الشباب. لايعودُ المرءُ يرى غداً فيه متَّسعٌ للأحلام، بل يتحوَّلُ الوطنُ في نظرِ بنيهِ إلىسجنٍ كبير، وتُصبحُ الهجرةُ هي المخرجَ المُتاح. الفسادُ لا يسرقُ المالَ فقط، بل يعملُ بمنهجيةٍ على سرقةِ الأملِ والأُفُقِ ليبقى الحُكمُ للعصابات.
تجاوزُ الطائفيةِ لا يعني محوَ الهويات، بل تحويلَها من عاملِ انقسامٍ إلىعاملِ إثراء، بحيثُ يُصبحُ الاختلافُ قوَّةً تُبنى عليها لا جرحاً ينزُّ منه الدم.
✦ ✦ ✦
ثَانِيًا: الفَسَادُ... حِينَ تُسْرَقُ الأَحْلَامُ قَبْلَ المَال
من الصعبِ الحديثُ عن إعادةِ بناءِ الوطنِ دون مواجهةِ شبحِ الفسادِ الذياستنزفَ مقدراتِ البلادِ ونَخَرَ ثقةَ المواطنين بمؤسساتهم. الفسادُ لا يسرقُ المالَ فحسب، بل يسرقُ الأمل، ويسرقُ الحلم، ويسرقُ حقَّ الأجيالِ القادمةِ في وطنٍ يُشبههم.
حين يفقدُ الإنسانُ ثقتَهُ بالعدالة، تتراجعُ روحُ الانتماء، وتضعفُ الرغبةُ فيالمشاركةِ والإنتاج. والمفارقةُ المُرَّةُ أنَّ لبنانَ يُصدِّرُ عقولَهُ وكفاءاتِهِ إلى العالم، بينما تتهاوى مؤسساتُه. فالإصلاحُ الحقيقيُّ يبدأُ من الشفافيةِ والمحاسبةِ واستقلالِ القضاءِ وتكافؤِ الفرص.
«الدولةُ التي تُهملُ العدالةَ ليست دولةً، بل عصابةٌ كبيرة.»
— أَفْلَاطُون
✦ ✦ ✦
ثَالِثًا: العَدُوُّ الصِّهْيُونِيُّ... حِينَ يُصْبِحُ الإِجْرَامُ سِيَاسَةَ استيطان تحت مسمى افتعال وفرض"دولة"
لا يمكنُ الحديثُ عن لبنانَ دون الحديثِ عن الجُرحِ الذي يُفجرهُ العدوُّ الصهيونيُّ يومياً في جسدِ هذه الأمة. فإسرائيلُ ليست مجرَّدَ الاستقواء بافتعال"دولةٍ جارةٍ" ذاتِ طموحاتٍ توسُّعية، بل هي مشروعٌ استيطانيٌّ إحلاليٌّ ترتكزُ عقيدتُهُ على نفيِ حقِّ الآخرِ في الوجود، ويُجاهرُ قادتُهُ بأحلامِ التمدُّدِ منالفراتِ إلى النيل.
ما الذي يجعلُ هذا الكيانَ خارجَ منظومةِ القانونِ الدوليِّ وبعيداً عن المحاسبة؟ هل هي القوةُ العسكريةُ وحدها؟ أم هوالغطاءُ الغربيُّ الذي يُحوِّلُ الجريمةَ إلى سياسةٍ مشروعة؟
انْتِهَاكَاتٌ صَارِخَةٌ ضِدَّ الحُقُوقِ الدَّوْلِيَّة:
◆اغتيالُ الصحفيةِ شيرين أبو عاقلة عامَ
2022 وهي ترتدي سترةَ الصحافةِ بكلِّ وضوح — جريمةٌ تُجسِّدُ استهدافَ الإعلامِ وقمعَ الشاهد.
◆ قصفُ مستشفى المعمداني في غزة عامَ
2023، الذي راحَ ضحيتَهُ مئاتُ المدنيين المحاصرين في ملجأٍ يُفترَضُ أن يصونَهم.
◆تدميرُ البنيةِ التحتيةِ اللبنانيةِ خلالَ عدوانِ
2006 بما يُخالفُ صراحةً المادتَيْن 51 و52 من البروتوكولِ الإضافيِّ الأوَّل لاتفاقياتِ جنيف.
◆
حصارُ غزةَ المتواصلُ المُصنَّفُ رسمياً من قِبَلِ خبراءِ الأممِ المتحدةِ عقوبةً جماعيةً تمسُّ نحوَ مليوني إنسان.
◆توثيقُ منظمةِ هيومن رايتس ووتش ومنظمةِ العفوِ الدوليةِ لجرائمَ ممنهجةٍ بحقِّ المدنيين الفلسطينيين واللبنانيين، وصفَها بعضُ المحققينالدوليين بأنَّها جرائمُ حرب.
يتسلَّحُ العدوُّ ويُطوِّرُ ترسانتَهُ النوويةَ والتكنولوجيةَ العسكريةَ تحتَ أعيُنِ المجتمعِ الدولي، فيما نعيشُ نحنُ صراعاتٍ داخليةً تُنهكُنا وتُشتِّتُ طاقاتنا.
هل يُعقلُ أن يقبلَ شعبٌ بأن يكونَ وقودُهُ الداخليُّ هديةً لعدوٍّ يترصَّدُ كلَّ ثغرةٍ في وحدته؟
مَخَاطِرُ التَّطْبِيعِ المُمَنْهَج:
التطبيعُ مع الكيانِ الصهيونيِّ ليس مجرَّدَ اتفاقياتٍ سياسيةٍ فوقية، بل هومشروعٌ تدميريٌّ يستهدفُ نفيَ الهويةِ العربية، ومحوَ الذاكرةِ الجماعية، وتحويلَ الجريمةِ المنظَّمةِ إلى أمرٍ واقعٍ مقبول. والأشدُّ إيلاماً أنَّ التطبيعَ يُقدَّمُ للرأيِ العامِّ العربيِّ بوصفِهِ
"ضرورةً براغماتية"، فيما يتواصلُ البناءُ الاستيطانيُّ في الضفةِ الغربية، وتتصاعدُ الانتهاكاتُ في القدس، ويُقتَلُ المدنيون يومياً.
◆ عَزْلُ القضيةِ المركزية: استفرادُ العدوِّ بالفلسطينيين لتصفيةِ حقوقِهمالتاريخية.
◆ الاختراقُ الثقافيُّ والأكاديمي: تمييعُ العقيدةِ النضاليةِ لدى الأجيالِ الناشئةِ وإحلالُ
"ثقافةِ الهزيمة" محلَّها.
◆ التبعيةُ الاقتصادية: ربطُ مصائرِ الشعوبِ الحيوية (الماء، الطاقة، الغذاء) بقرارِ العدو.
كيف يكونُ السلامُ عادلاً حين يبني أحدُ طرفَيهِ جداراً عبرَ أرضِ الآخر؟
✦ ✦ ✦
رَابِعًا: التَّدَخُّلاتُ الخَارِجِيَّةُ... حِينَ تُصْبِحُ الخِلَافَاتُ الدَّاخِلِيَّةُ بَوَّابَةَ الآخَرِين
مَتَى وَكَيْفَ يَتَعَلَّمُ اللُّبْنَانِيُّ مِنْ خِلَافَاتِهِ أَنَّ التَّدَخُّلاتِ الخَارِجِيَّةَ المَغْرضَةَ تَتَغَذَّى عَلَى جِرَاحِهِ؟
من حقِّ الشعوبِ أن تدافعَ عن أرضِها وسيادتِها وأن ترفضَ الاحتلالَ والعدوانَ بكلِّ الوسائلِ التي يكفلُها القانونُ الدولي. وتاريخُ حركاتِ التحرُّرِ في العالم، من فيتنامَ إلى جنوبِ أفريقيا إلى الجزائر، يُثبِتُ أنَّ الاحتلالَ لايزولُ بالاستسلامِ بل بصمودِ الإرادةِ الجماعية.
غيرَ أنَّ ثمَّةَ حقيقةً
ينبغي ألا تُطمَسَ: العدوُّ الحقيقيُّ يستفيدُ دائماً منانقسامِ خصومِهِ أكثرَ مما يستفيدُ من قوَّتهم. الفوضى الداخليةُ هي الأرضُ الخصبةُ التي ينبتُ فيها التدخُّلُ الأجنبي، والاقتتالُ الأهليُّ هو البوابةُ التييدخلُ منها كلُّ من يريدُ بهذه الأمةِ شراً. فكلُّ خلافٍ داخليٍّ لا يُحلُّ بالحوارِ الوطنيِّ يتحوَّلُ إلى دعوةٍ مفتوحةٍ للتدخُّلِ الخارجي.
حمايةُ الوطنِ لا تتحقَّقُ فقط على الحدود؛ بل تتحقَّقُ في المدارسِ حين نُعلِّمُ أبناءَنا التفكيرَ النقديَّ لا الانتماءَ الأعمى، وفي الجامعاتِ حين تُنتِجُ معرفةً وطنيةً حرة، وفي المؤسساتِ حين يُطبَّقُ القانونُ بلا استثناء.
✦ ✦ ✦
خَامِسًا: مَاذَا تَعَلَّمْنَا مِنْ تَجَارِبِ الأُمَمِ النَّاهِضَة؟
لم تصلِ الدولُ المتقدِّمةُ إلى ما هي عليهِ اليومَ لأنَّها خلَتْ من المشكلات، بللأنَّها أحسنَتِ الإفادةَ من تجاربِ التاريخِ الحافلةِ بالدروس:
◆
أَلْمَانِيَا وَاليَابَان: خرجتا من حروبٍ مدمِّرةٍ لتتحوَّلا إلى قوىً صناعيةٍ عُظمى من بوابةِ التعليمِ والالتزامِ المؤسسي.
◆رُوَانْدَا: شهدَتْ واحدةً من أبشعِ المآسي الإنسانية (الإبادةُ الجماعيةُ عامَ
1994)، ومع ذلك تحوَّلَتْ إلى نموذجٍ اقتصاديٍّ ناهضٍ بالعدالةِ والمصالحةِ الوطنية.
◆
جَنُوبُ أَفْرِيقِيَا: عاشتْ عقوداً من الفصلِ العنصريِّ البغيض، لكنَّ نيلسون مانديلا اختارَ أن يمدَّ يدَهُ لمن سجنوه، إيماناً بأنَّ الأوطانَ تبنيهاالمصالحةُ لا الثأر.
إنَّ الأممَ لا تُهزَمُ إلَّا إذا جفَّتْ في عقولِ أبنائِها إرادةُ المراجعة، ولبنانُ يمتلكُ من الإرثِ الحضاريِّ ما يُؤهِّلُهُ لصياغةِ نهضتِهِ إذا حوَّلَ جراحَهُ إلى وقودٍ للوعي.
✦ ✦ ✦
سَادِسًا: الحِوَارُ... الطَّرِيقُ الأَصْعَبُ وَالأَكْثَرُ أَمَانًا
حين تتعثَّرُ السياسة، يبقى الحوارُ الملاذَ الأخير. ليسَ الحوارُ تنازلاً عنالمبادئ، بل اعترافٌ بأنَّ الوطنَ أكبرُ من الجميع. أكَّدَ الفيلسوفُ الألمانيُّ يورغن هابرماس في "نظريةِ الفعلِ التواصلي" أنَّ المجتمعاتِ الديمقراطيةَ لاتُبنى بالقوة، بل بالتواصلِ العقلانيِّ القائمِ على الاحترامِ المتبادلِ والاعترافِ بالآخرِ شريكاً لا خصماً.
لبنانُ بحاجةٍ ماسَّةٍ إلى ثقافةِ حوارٍ حقيقيةٍ تسمحُ بتبادلِ الرأيِ دون تخوين، وبالاختلافِ دون عداوة. والحوارُ الحقيقيُّ لا يُولَدُ في قاعاتِ المؤتمراتِ الفاخرة، بل يُزرَعُ في الفصولِ الدراسية، ويترعرعُ في الأحياءِ المختلطة، ويُثمِرُ في التقاءِ الناسِ حولَ قضايا مصيرِهم المشترك.
✦ ✦ ✦
سَابِعًا: كَيْفَ نُؤَثِّرُ فِي الرَّأْيِ العَامِّ العَالَمِيّ؟
العالمُ اليومَ لا يسمعُ فقط صوتَ الجيوش، بل يسمعُ أيضاً صوتَ الصورةِ والكلمةِ والشهادةِ الإنسانية. ومع ذلك، يبقى الخطابُ العربيُّ في كثيرٍ منالأحيانِ حبيسَ العاطفةِ والصراخ، فيما يُحكِمُ العدوُّ قبضتَهُ على الروايةِ الغربيةِ بأدواتِ الإعلامِ والدبلوماسيةِ الثقافيةِ المنظَّمة.
لذلك يحتاجُ لبنانُ والعالمُ العربيُّ إلى خطابٍ عقلانيٍّ وإنسانيٍّ يُوثِّقُ المعاناةَ بلغةِ الحقوقِ والقانونِ الدوليِّ والقيمِ الإنسانيةِ المشتركة. يحتاجُ إلىدبلوماسيةٍ ثقافيةٍ ناضجة، وإعلامٍ مهنيٍّ رصين، ومحامين دوليين يحملونملفَّاتِ الجرائمِ إلى المحاكمِ الدولية، وفنانين ومثقفين يُنتِجون لغةً عابرةً للحدود.
كَيْفِيَّةُ المُوَاجَهَة:
◆
تَجْذِيرُ الهُوِيَّةِ الثَّقَافِيَّة: كما كانَ يفعلُ محمود درويش عندماصاغَ الفلسطينيَّ وجوداً عصيَّاً على النسيان؛ إذ لا بدَّ من تجذيرِ أدبِ المقاومةِ في المناهج.
◆
المُقَاطَعَةُ الشَّامِلَة: تفعيلُ سلاحِ المقاطعةِ الاقتصاديةِ والأكاديميةِ والفنيةِ كخطِّ دفاعٍ أوَّل عن الوعيِ العربي.
◆ كسبُ الرأيِ العامِّ العالميِّ لا يتحقَّقُ بالانغلاق، بل بالمصداقيةِ والتوثيقِ والحضورِ الواعيِّ في المنابرِ الدولية.
✦ ✦ ✦
ثَامِنًا: يَقَظَةُ الأُمَّةِ... ضَرُورَةٌ لَا خِيَار
لقد أثبتَ التاريخُ أنَّ المنطقةَ عاشَتْ ولا تزالُ تعيشُ في مهبِّ مشاريعَ متنافسةٍ ومتضاربةٍ تتنافسُ على نفوذِها ومواردِها وهويَّتها. من الحكمة، بلمن الضرورةِ القصوى، أن تبقى الشعوبُ يقظةً تجاهَ أيِّ سياساتٍ أومخططاتٍ قد تُهدِّدُ حقوقَها أو سيادتَها أو أمنَها.الدولُ القويةُ لا تُحمى بالسلاحِ وحده، بل تُحمى بالمعرفة، والتنمية، والمؤسساتِ المتماسكة، والمجتمعِ المتحد. وكلَّما ازدادَ التشرذمُ الداخلي، ازدادَتْ قدرةُ القوى الخارجيةِ على التأثيرِ في مصيرِ الشعوب. هذا درسٌ لميتعلَّمْهُ من يتعلَّمُهُ في الوقتِ المناسب.
إسرائيلُ تتسلَّحُ وتُطوِّرُ وتُخطِّطُ لعقودٍ قادمة، فيما نتقاتلُ نحنُ علىحصصِ السلطةِ ومناصبِ الوزارة. وحين نصحو من غفلتِنا، يكونُ العدوُّ قدقطعَ أشواطاً لا تُعوَّض. فاليقظةُ الحقيقيةُ هي الانتقالُ من الانفعالِ اللحظيِّ إلى التخطيطِ الاستراتيجيِّ المستدام.
هل آنَ الأوانُ لأن نُبدِّلَ أولوياتنا ونضعَ مصلحةَ الوطنِ فوقَ كلِّ حسابٍ ضيِّق؟
✦ ✦ ✦
خَاتِمَةٌ: نَحْنُ الجُرْحُ وَنَحْنُ الدَّوَاء
كَيْفَ نَلْمُلِمُ الوَطَنَ وَنُرَمِّمُ النُّفُوس؟
إنَّ إعادةَ بناءِ الوطنِ ليست مهمَّةَ حكومةٍ وحدَها، بل هي مسؤوليةٌ جماعيةٌ تبدأُ حين ندركُ أنَّ لبنانَ ليس مجرَّدَ أرضٍ نعيشُ عليها، بل فكرةٌ نحملُها فيضمائرِنا. تحفيزُ الشعوبِ على المواطنةِ لا يأتي من فوق، بل يولدُ من رحمِ المعاناةِ حين تدركُ الجماهيرُ أنَّ صمتَها ثمنُهُ ضياعُ مستقبلِ أبنائها.
الخللُ ليس قضاءً وقَدَراً، بل هو نتاجُ غيابِ الأُفُقِ التنمويِّ والسياسي، وهوما يمكنُ تفكيكُهُ إذا تسلَّحنا بالإرادةِ والتفكيرِ العلمي. لبنانُ لا يحتاجُ إلىمنتصرين على بعضِهم البعض، يحتاجُ إلى منتصرين له.
نحنُ الجُرحُ حين نستسلمُ للانقسامِ والجهل، ونحنُ الدَّواءُ حين نختارُ شجاعةَ الحوارِ والمواطنة؛ وهذه هيالمعركةُ الحقيقيةُ التي تستحقُّ أن نخوضَها جميعاً، بكلِّ ما نملكُ من عقلٍ وقلبٍ وإرادة.
✦ ✦ ✦
رُلَى عَادِل العُرْيَان
2026
|
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق