آخر الأخبار

الجمعة، 12 ديسمبر 2025

التعليم في العصر العباسي وأثره في تشكيل التعددية الفكرية موضوع درس افتتاحي بكلية الآداب والعلوم الإنسانية ببني ملال


*تقرير: أعده الزاهيد مصطفى [1]
 طالب باحث بكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بالقنيطرة

            في سياق الحراك الإبستيمولوجي الذي تشهده رحاب كلية الآداب والعلوم الإنسانية ببني ملال، وتنزيلاً للرؤية الاستراتيجية لجامعة السلطان مولاي سليمان الرامية إلى مأسسة البحث العلمي وربط الجامعة بأسئلة الراهن ، وضمن  اللقاءات التي تنصب على  الأركيولوجيا المعرفية (Archeology of Knowledge)، نظمت شعبة علم الاجتماع بمسلكيها (السوسيولوجيا والفلسفة) وماستر سوسيولوجيا التنمية المحلية، درساً افتتاحياً مرجعياً شكّل علامة فارقة في افتتاح الموسم الجامعي الحالي، حيث استضاف هذا اللقاء العلمي الباحث والمفكر المغربي  الدكتور أحمد العلمي، في محاضرة موسومة بـ «التعليم في العصر العباسي وأثره في تشكيل التعددية الفكرية»،

وذلك تحت إشراف وتنسيق الأستاذين ذ. إبراهيم مجيدلة وذ. فريد أبي بكر. وجدير بالذكر أن هذا اللقاء العلمي لم يكن مجرد سرد كرونولوجي للوقائع التربوية، بل مثّل لحظة تفكيك للبراديغم (Paradigm) الحاكم في تاريخ العقل الإسلامي، ومحاولة جادة لإعادة قراءة البنى المؤسسية التي جعلت من العصر العباسي لحظة تأسيسية لـ التعددية (Pluralism) والاختلاف، قبل أن تتدخل أنساق الضبط السياسي لإعادة تشكيل العقل الجمعي وفق محددات الأرثوذكسية (Orthodoxy)..

            لقد استهل الدكتور أحمد العلمي مقاربته بتأصيل نظري تجاوز فيه المنظور الوضعي للتاريخ، لينفتح على قراءة سوسيولوجية للمؤسسات الحاضنة للمعرفة، منطلقاً من فرضية مركزية مفادها أن التعليم العباسي لم يكن جهازاً بيداغوجياً للتلقين الميكانيكي، بل كان سيرورة جدلية (Dialectical Process) لإنتاج المعنى وتدبير الاختلاف داخل المجال العام. وفي هذا الإطار، قام المحاضر بتشريح البنية المورفولوجية للفضاء التعليمي، مميزاً بصرامة أنطولوجية بين مستويين: مستوى "الكتاتيب" كمؤسسات للضبط الاجتماعي ومحو الأمية الأبجدية، ومستوى "الجامع" الذي شكّل المجال العمومي (Public Sphere / Espace Public) بامتياز؛ وهنا شدد الدكتور العلمي على التمايز الوظيفي بين "المسجد" كحيز للشعائر التعبدية (Sacred Space)، و"الجامع" كفضاء أكاديمي مفتوح تتجاور فيه حلقات العلم وتتفاعل فيه التخصصات، من علوم القرآن والحديث إلى الفلسفة والمنطق والكلام، مشكلاً بذلك ما يمكن تسميته بـ الجامعة قبل-الحديثة (Pre-modern University). هذا التحول لم يكن معمارياً فحسب، بل عكس ولادة سلطة معرفية مستقلة نسبياً عن السلطة الزمنية (Temporal Power)، تجسدت في نظام "المشيخة"، التي لم تكن مجرد تراتبية كهنوتية، بل نظاماً دقيقاً لـ الاعتراف المتبادل (Mutual Recognition) والمصادقة العلمية عبر آلية "الإجازة"، مما منح العالم رأسمالاً رمزياً (Symbolic Capital) يوازي سلطة الأمير.

            وفي سياق الغوص في الميكرو-فيزياء (Micro-physics) الخاصة بحلقات الدرس، فكك الدكتور العلمي الصورة النمطية التي ترسم المدارس الفكرية ككتل صماء متجانسة، مبرزاً أن "الحلقة" كانت فضاءً للجدل الخلاق وللتعددية الداخلية، مستدعياً نموذج المدرسة الكلامية بالبصرة، وتحديداً حلقة أبي علي الجبّائي، شيخ المعتزلة، ليدلل على الحيوية العقلية التي ميزت تلك الحقبة، حيث لم يكن الدرس الكلامي تلقيناً دوغمائياً، بل تمريناً في التحليل المنطقي (Logical Analysis). ولعل من أعمق الإشارات التي التقطها المحاضر، تلك المتعلقة بكسر الهيمنة الذكورية، أو ما يمكن تسميته بـ المركزية الفحولية (Phallocentrism)، عبر استحضار نموذج ابنة الجبّائي التي نقلت المصادر تمكنها من نواصي الجدل الكلامي وقدرتها على الخوض في قضايا ميتافيزيقية شائكة كـ "التكليف" و"الاستطاعة" و"اللطف الإلهي"؛ وهي إشارة تفكك السرديات الاستشراقية التقليدية وتكشف عن مسامية الحدود بين الفضاء العام والفضاء الخاص في الحواضر الإسلامية.

            ولم يكتفِ العرض بالاستقراء الداخلي، بل تعزز باشتباك نقدي مع أطروحات الاستشراق الجديد (New Orientalism)، حيث استند الدكتور العلمي إلى أعمال ديمتري غوتاس (Dimitri Gutas) في كتابه المرجعي Greek Thought, Arabic Culture، مبرزاً أن حركة الترجمة كانت مشروعاً إمبراطورياً واعياً لترسيخ شرعية الدولة عبر تبني عقلانية كونية، كما انفتح على نقد جورج صليبا (George Saliba) لنظرية "الاقتباس السلبي"، مؤكداً أصالة المنهج العلمي العربي في الفلك والرياضيات. وإمعاناً في تأكيد النزعة الإنسانوية (Humanism / Humanisme) للعصر العباسي، تم استحضار أعمال باحثين وازنين مثل مايكل كوبرسون (Michael Cooperson) وجويل كرامر (Joel Kraemer)، الذين قدموا قراءات تربط بين ازدهار الفلسفة والسياقات السياسية الحاضنة للتعددية.

            غير أن هذا الأفق التعددي، كما بيّن الدكتور العلمي في الشطر الثاني من محاضرته، اصطدم بتحولات جيوسياسية كبرى أدت إلى تراجع هامش الحرية المعرفية، راصداً لحظة تحول التعليم إلى ما سماه لويس ألتوسير بـ الجهاز الأيديولوجي للدولة (Ideological State Apparatus / Appareil Idéologique d'État). تجلى هذا الانعطاف مع صعود السلاجقة وتأسيس "المدارس النظامية" التي هدفت إلى مأسسة "السنة الجماعية" وتوحيد المرجعية في مواجهة التحدي الفاطمي/الشيعي، مما أدى إلى تضييق الخناق على التعددية الفلسفية لصالح الامتثال العقدي (Dogmatic Conformity). وبهذا التحليل الجينالوجي، خلص المحاضر إلى أن أفول التعددية لم يكن نتاجاً لقصور في العقل العربي، بل نتيجة لـ أدلجة (Ideologization) المؤسسة التعليمية، مما يستوجب اليوم، ونحن في رحاب الجامعة المغربية، استعادة تلك "الروح العباسية" النقدية، لا كحنين للماضي، بل كشرط لترسيخ الوعي النقدي (Critical Consciousness) وإعادة الاعتبار للجامعة كفضاء للحرية والاختلاف البناء.











 



[1] طالب باحث بكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بالقنيطرة

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق